<!-- slide start -->رغم مرور أربع سنوات على صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في قضية الجدار الذي تقيمه الدولة العصابة في الضفة ، لا زال البناء مستمراً في إقامته من قبل الاحتلال ، ويوماً بعد يوم يستمر الاستيلاء على مزيد من الأرض ،وبشكل قَسَّم القرى ؛ بل وحتى العائلة الواحدة على قسمين ؛ فمنهم من هو داخل الجدار ومنهم من هو خارجه ، دون أن تعير الدولة العبرية المحتلة أي اهتمام للقانون الدولي ؛ أو لالتزامات الدولة المحتلة تجاه الشعب الواقع تحت الاحتلال.
ومع ذلك فإن من أكثر الأمور مدعاة للاستغراب ، أن الجهات الرسمية والمدنية الفلسطينية ، لم تلتقط هذا الرأي القانوني بالغ الأهمية ، لتجعل منه قضية يومية على صعيد الرأي العام العالمي ، ولدى الجهات الحقوقية والقانونية الإقليمية والدولية والقارية ، ذلك أن رأي المحكمة من شأنه أن يوفر الكثير على الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل استرداد حقوقه ، على الأقل تحقيق هدفه المرحلي الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كامل الأراضي التي احتلت عام1967 .
قرار لم يستثمر
وأهمية رأي المحكمة الدولية أنه ووجه منذ البداية برفض أمريكي صهيوني مشترك ، لمبدأ عرض الأمر على المحكمة الدولية بدعاوى كاذبة ومضللة ، غير أن عرض موضوع الجدار شق طريقه في حينها إلى المحكمة رغم كل الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية ، والكيان الصهيوني وكذلك العديد من الدول الأوربية لمنع وصوله إلى المحكمة الدولية ابتداء ، وأيضا للتأثير على قرار محكمة العدل الدولية، إن لجهة اختصاصها ، أو لجهة صلاحيتها في إبداء الرأي القانوني في موضوع الجدار، من خلال اختلاق تباين سياسي برداء قانوني في وجهات النظر ، حول التكييف القانوني ، للموضوع المقترح عرضه على محكمة العدل الدولية، إلا أن محكمة العدل الدولية انتصرت للقانون الدولي ولمبادئ العدالة والإنصاف ، وقالت كلمتها في قضية جدار الضم العنصري الذي أقامته الدولة العبرية على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967في الضفة الغربية بما فيها القدس والذي لا زال مستمرا حتى الآن .
والمحكمة بذلك أكدت مبدأَ قانونياً مهماً، وهو أنها الأداة القضائية الرئيسة للأمم المتحدة ، وأن ولايتها تشمل جميع المسائل المنصوص عليها بصفة خاصة في ميثاق الأمم المتحدة أو المعاهدات والاتفاقيات المعمول بها، التي خولت لها وفق نص المادة السادسة والثلاثين من نظامها الأساسي، أي البت في أية مسألة من مسائل القانون الدولي ، وكذلك التحقيق في الوقائع التي إذا ثبتت كانت خرقاً لالتزام دولي .
وانطلاقاً من ذلك فإن قضية جدار الضم العنصري الذي تقيمه الدولة العبرية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 تمثل نموذجاً للتعدي الصارخ على كل قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي ، التي لازالت حتى الآن تعتبر الضفة الغربية والقطاع أراضاً فلسطينية تحت الاحتلال ، لا يجوز لأية سلطة احتلال أن تغير من طبيعتها.
سياج أمني أم حدود سياسية ؟
ومن أجل التغطية على تلك الممارسات عملت كلٌ من الإدارة الأمريكية والدولة العبرية على تسخير كل وسائل الضغط والدعاية من أجل عدم عرض قضية الجدار على محكمة العدل الدولية ، بل وفي محاولة التأثير على المحكمة على اعتبار أن الجدار هو مسألة سياسية ، والادعاء أن عرض موضوع الجدار قد يعطل الجهود التي تبذل لإيجاد تسوية سياسية لموضوع الصراع العربي الصهيوني .!!!
إلا أن الواقع الملموس كفيل ودون عناء لدحض كل الادعاءات الأمريكية الإسرائيلية ، لأنه في الوقت الذي يستمر فيه العمل في الجدار ، تواصل آلة الحرب الصهيونية عمليات القتل والتجريف والتدمير والمصادرة وبشكل يجعل الحديث عن عملية سلام مجرد أكذوبة ، لا يمكن أن تنطلي أو يصدقها أحد .
وكون الإدارة الأمريكية والدولة العبرية كانتا تعيان تماماً أن محكمة العدل الدولية خارج نطاق السيطرة الأمريكية ، الأمر الذي لن يمكن الإدارة الأمريكية من ممارسة امتياز حق الاعتراض ، المكرس لها في مجلس الأمن ، لذلك حاولت وبكل الوسائل إبعاد موضوع الجدار عن القضاء الدولي ، لأنه كفيل عندها بكشف زيف الادعاءات الأمريكية حول حرصها ودفاعها عن الشرعية الدولية والقانون الدولي ، إذا ما صدر حكم القضاء الدولي بعدم شرعية وقانونية الجدار، وهو الأمر الذي سعت بكل الأساليب لتفادي حدوثه.
ومن ثم يمكن وضع الحديث الأمريكي ـ الإسرائيلي بعدم اختصاص المحكمة ، في سياق استهداف تجريد القضية من أبعادها القانونية ؛ بذريعة أن الجدار له بعد أمني فقط ، ولو كان ذلك الأمر صحيحاً لحرص الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية عندئذ على أن يقام الجدار داخل ما يسمى بالخط الأخضر حدود فلسطين المحتلة عام 48 حتى يتم تجنب التعدي على ما تعتبره الشرعية الدولية حق الشعب الفلسطيني بما يعنيه ذلك من مخالفة للقانون الدولي .
ولو كان الجدار له بعداً أمنياً تنتهي الحاجة إلية بانتهاء الضرورات الأمنية الموجبة له من وجهة نظر الكيان الصهيوني ، غير أن المعطيات التاريخية تقول إن فكرة الجدار ليست وليدة شرط الانتفاضة ، وما بعدها ؛ كما يريد أن يوحي بذلك الكيان الصهيوني ، بل إن تلك الفكرة قد جرى تداولها ونقاشها على أوسع نطاق داخل المؤسسة السياسية العسكرية الصهيونية ، ُبعيد احتلال الضفة والقطاع عام 1967 وكان أول من طرحها بنحاس سبير الذي اقترح حدوداً ( أي حدود سياسية وليست أمنية وحسب ) قابلة للدفاع عنها ، فيما كتب دوري جولد كبير مستشاري شارون من جانبه يقول إن الجدار الفاصل سيتطور كي يصبح سوراً سياسياً دائماً .
الجدار.. معطيات ونتائج
يخترق جدار الضم العنصري مناطق الضفة المحتلة عام 1967 بطول 650 كيلو متراً وبعمق يتراوح بين 23 إلى 300 كيلو متر، حتى تتمكن الدولة العبرية من ضم 75 مستوطنة مقامة في أراضي الضفة الغربية إلى نطاق حدود الكيان الصهيوني، لكي تكون امتداداً للمناطق المحتلة عام 1948 مصادرة بذلك ما يزيد على45 في المائة ، من مساحة الضفة البالغة 5500 كيلو متر مربع بما فيها القدس ، يقطنها ويملكها 108918 مواطن فلسطيني.
ولتنفيذ مخطط الضم الصهيوني ، قامت قوات الاحتلال بتجريف ما مساحته 229 ألف دونم ( الدونم 1000 متر مربع ) من الأراضي الزراعية ، واقتلعت 100 ألف شجرة زيتون ، كما صادرت 165 ألف دونم لصالح بناء الجدار ، وفي الوقت نفسه تم الاستيلاء على حوض المياه الغربي ، وهو أهم أحواض المياه الجوفية في الضفة ، وكذلك على40 بئراً تقع بين جدار الضم وما يسمى بالخط الأخضر ، كانت تُستغل لاستهلاك 32 ألف مواطن فلسطيني من المياه .
ويمتد الجدار في مرحلته الأولى مسافة 360 كيلو متراً ، و45 كيلو متراً في مرحلته الثانية ، بعرض يتراوح بين 80 ـ 100 متر ، وبارتفاع 8 أمتار ، وهو مكون من أسلاك شائكة لولبية تمثل العائق الأول في الجدار ، يليه شارع مسفلت بعرض12 متراً لتنظيم عمليات المراقبة والاستطلاع ، ثم شارع مغطى بالتراب والرمل الناعم ؛ بعرض 4 أمتار ، لكشف آثار الأقدام ، ويأتي بعد ذلك الجدار ، وهو جدار إسمنتي ارتفاعه 8 أمتار يعلوه سياج معدني إلكتروني بارتفاع ثلاثة أمتار مركبة عليه أجهزة إنذار إلكترونية وكاميرات , وأضواء كاشفة ، كما عمد جيش الاحتلال إلى تثبيت رشاشات بالجدار ذات مناظير ، عبارة عن كاميرات تلفزيونية صغيرة يمكن التحكم بها من موقع المراقبة عن بعد .
وعلى ضوء هذه المعطيات يكون جدار الضم قد قَطَّّع أوصال الضفة من خلال وضع الفلسطينيين في معازل كانتونات ، كبيرة تمتد من شمال الضفة إلى جنوبها ، مصادراً بذلك أية إمكانية للتواصل الجغرافي ، بهدف ضرب البنية الاقتصادية للمجتمع الفلسطيني ، وذلك كله يصب في سعي الدولة العبرية لخلق وقائع على الأرض ترسم من خلالها حدودها الراهنة ؛ والذي بدوره ينفي أية مقومات موضوعية مستقبلية لأية دولة فلسطينية .
سليم الزريعي
كتبها سـعيـد الجهاني في 12:48 صباحاً ::
