الوثيقة الخضراء الكبرى وحقوق الإنسان الحقيقية
كتبهاسـعيـد الجهاني ، في 13 نوفمبر 2009 الساعة: 02:46 ص
الزحف الاخضر
بعد بضعة اسابيع ستحتفل الجمعية العامة للأمم المتحدة وعديد المنظمات الحقوقية بالذكرى الستين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، الذي صدر في باريس يوم 10 / 12 / 1948 وأقرته الجمعية العامة . ففي ذلك الوقت لاقى هذا الإعلان ترحيباً واسعاً في العالم ، لأن عديد الشعوب المغلوبة والمظلومة والمنكوبة رأت في هذا الإعلان بأنه العقار الشافي والبلسم الناجح والأداة الوحيدة التي لا بديل لها ، لمنع الظلم والقهر ولوضع حد لجميع الانتهاكات التي يلاقيها الإنسان من أخيه الإنسان ، سواء من المؤسسات والدول أو الأفراد ، خاصة أن الإعلان جاء بعد انتهاء حربين عالميتين راح ضحيتهما عشرات الملايين من الأبرياء وأضعاف هذا الرقم من الجرحى المشوهين كما دمرت الآلاف من المدن والقرى على رؤوس سكانها . أما اللجنة التي أصدرت هذا الإعلان وصاغته فقد تجرأت على وصف الإعلان بأنه ( أضخم تحدٍ لعصرنا الحديث!!) .
ولكن الإعلانات شيء والواقع شيء آخر . والملفت للنظر ، أن هذا الإعلان وهذه المبادئ التي تنادي بالحرية والإخاء والمساواة كونها قيما عالمية شاملة قد تم مهاجمتها ونقدها من قبل الكثير من المفكرين والساسة الغربيين الذين قالوا إن تلك المبادئ - ولا سيما مبدأ المساواة - مستحيلة التطبيق ، بل أسطورة من الأساطير . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل وجدت هذه المبادئ الإنسانية التي دعا إليها الإعلان التطبيق الأمثل ؟ .
وهل نالت الشعوب المنكوبة حقها علماً بأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان شجب العبودية والاستعمار وأقر العدل والمساواة لكل بني البشر وحق كل شعب من الشعوب في تقرير مصيره .. إلخ ؟!
وكلنا يعلم الجواب ..
فلا الديمقراطية المنشودة تحققت بالفعل لكل المجتمع الدولي !.. ولا الحرية تم تطبيقها على الجميع !.. ولا الشعوب المقهورة نالت الاستقلال والسيادة من جراء هذا الإعلان العالمي !. .
والسبب في ذلك هو صراع الدول الكبرى للسيطرة على العالم وازدواجية المعايير والمكاييل المتناقضة وغياب العدل القائم على الجميع .
لذا لا يعقل إطلاقاً أن يوصف هذا الإعلان بأنه عالمي وجاء لسعادة بني البشر ولدفع الظلم عنهم .
ولا يعقل أبداً أن يوصف بأنه أضخم تحدٍ لعصرنا الحديث .
فالشعوب المقهورة التي رزحت تحت نير الاستعمار لم تنل حريتها واستقلالها إلا بالنضال والمقاومة والتضحية وليس بالإعلان العالميلحقوق الانسان المذكور . .. كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرت هذا الإعلان هي آخر من يحق لها التحدث وذكر حقوق الإنسان ، لأنها تتحمل المسؤولية والوزر الأكبر في نكبة شعب فلسطين الصامدوالصابر ، لإصدارها قرار التقسيم الظالم والجائر يوم 29 / 11 / 1947 ( القرار 181 ) الذي سيبقى دوماً وصمة عار على جبين هذه الجمعية .
فعن أي حقوق وعن أي إنسان يتحدثون ؟! وعن أي تحدٍ يزعمون ؟
ومن الأمور الغريبة أن عالمنا اليوم وفي ظل العولمة ومنظمة التجارة العالمية وفي ظل الثورة الخضراء صار للبيئة والمحيط والبحار حقوق وأصبحت العناية بالحيوان خاصة الكلاب والقطط والدببة من الأمور التي تعطى لها الأولوية ، أما الإنسان وحقوقه الأساسية فقد تراجعت إلى المرتبة الثالثة والرابعة .
وبالحق لقد فقد الإنسان في هذا العصر كثيراً من الحقوق التي حملتها إليه الحداثة السياسية وبشرت بها ثقافة الديمقراطية الليبرالية ودولة القانون ولعل أهم الحقوق المصادرة هي حق الحياة والغذاء والماء والصحة والسكن والتعليم والعمل وهي حقوق بديهية كان من الضروري أن يمتلكها كل إنسان أينما كان قبل الحديث عن أي حقوق لأي كائن آخر
.. كما أن الظلم ولقهر والتعسف أصبح من المعايير السائدة في هذا العصر الذي يمكن تسميته بعصر التناقضات . والشيء المؤلم والمؤسف حقاً أن بعض المفكرين والباحثين الغربيين لا يقدم ثقافته ورؤيته للحياة كإحد المنظورات الممكنة بل يقدمها بوصفها المنظورالوحيد والأحسن الذي يجب أن يسود الأرض ويهيمن عليها ، وأي اعتراض على ذلك يقابل بالازدراء والرفض المطلق .
ونحن من جانبنا علينا أن نؤكد دائماً أن لنا قيماً وأخلاقاً وعقائد وتراثاً لا يمكن التنازل عنها ولكننا نرغب بتجديد طرائق تفكيرنا وحياتنا ولكن ليس عن طريق استنساخ التجربة الغربية بطريقة عمياء وأن كل ما يأتي من الغرب هو الأفضل وهو إكسير الحياة !! .
ولا يمكن أن يختلف عاقلان على وجوب حقوق الإنسان وعلى وجوب العدل والحرية والمساواة لأنها مسائل طبيعية قبل أن تكون حقاً .
فالإنسان في الحقيقية لم يخلق عبثاً كي يتصرف مثل بقية الكائنات دون وازع ودون رادع أو عائق أو هدف فتصرفه مربوط بغايات .
إذا قضية حقوق الإنسان هي فكرة رائدة إن طبقت وأصبحت ملزمة للجميع بلا محاباة وانحياز لطرف دون آخر وشعوب دون شعوب لن تنعم الإنسانية بالسلام والاستقرار والوئام .. إن بقيت حقوق الإنسان مهدورة ومتروكة وخاضعة لأفكار وقيم الحضارة الغربية فقط .
إن حقوق الإنسان أصبحت تتراجع يوماً بعد يوم في هذا العصر الظالم لأن قوى الاستكبار قد أحكمت سيطرتها على ثروات الأرض والسماء وعلى السوق والاقتصاد العالمي طبقاً لمصالحها الخاصة فقط وبدون أي اكتراث أو مراعاة لمصالح الفقراء والمنكوبين .
ونحن على علم أيضاً بأن هنالك تناقضاً تماماً بين حرية الإنسان العربي وحصوله على حقوقه وعلى حريته الفكرية والديمقراطية والإنسانية وبين المصالح الغربية في المنطقة العربية ، فالمصالح الغربية تتحقق مع تحقيق الأمن السياسي والاقتصادي والعسكري للكيان الصهيوني وهذا الأمن لا يتحقق بحصول الإنسان العربي على حريته الفكرية والديمقراطية والإنسانية .
ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينتصر حق القوة على قوة الحق مهما طال الزمن .
وكما يقول المثل العربي ( دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة) ولابد أن نقول لجميع هؤلاء العباقرة الغربيين الذين صاغوا هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 والذين وصفوه بأنه ( أضخم تحد لعصرنا الحديث) . بأنه من الأرض العربية خرج أول إعلان لحقوق الإنسان وأن العقل العربي هو الذي صاغ أول قانون يُحرم الظلم والجور والقهر وذلك قبل ظهور الإسلام بعشرات السنين وهذا الإعلان هو : حلف الفضول .
والتاريخ يعلمنا أن هذا الحلف وقع على إثر حرب الفجار وبسبب حادثة أيضاً وقعت لرجل من زبيد قدم ببضاعته إلى مكة .
أما حرب الفجار فقد وقعت في سوق عكاظ بين قريش - ومعهم كنانة - وبين قيس عيلان عندما كان رسولنا الكريم في عمره العشرين .
وسببها أن أحد بني كنانة واسمه البراض اغتال ثلاثة رجال من قيس عيلان ووصل الخبر إلى عكاظ فثار الطرفان وكان قائد قريش وكنانة وهو حرب بن أمية لمكانته فيهم سناً وشرفاً وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة حتى إذا كان في وسط النهار كادت الدائرة تدور على قيس .
ثم تداعى بعض قريش إلى الصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد .
فاصطلحوا على ذلك ووضعوا الحرب وهدموا ما كان بينهم من العداوة والشر وسميت بحرب الفجار لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها ، وقد حضر هذه الحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ينبل على عمومته أي يجهز لهم النبل للرمي .
وعلى إثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر الحرام حيث تداعت إليه قبائل من قريش : بنو هاشم وبنو المطلب - وأسد بن عبد العزى وزهرة ابن كلاب وتيم ابن مرة فاجتمعوا في دار عبد الله بن جذعان التيمي لسنه وشرفه فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه مكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته .
وشهد هذا الحلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة : ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جذعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعى به في الإسلام لأجبت ) وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها ويقال أيضاً إن سبب هذا الحلف هو أن رجلاً من زبي قدم مكة ببضاعة واشتراها منه العاص بن وائل السهمي - وحبس عنه حقه فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزوماً وجمحاً وسهماً وعدياً فلم يكترثوا له ، فعلا جبل أبي قبيس ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعاً صوته فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال : ما لهذا مترك ؟ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول فعقدوا الحلف ثم قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي
والإسلام أيضاً حارب الظلم والجور بقوة وأوصد كل الأبواب أمام نفر من الخلق يستهينون بأقدار الآخرين وحقوقهم .
وذلك لأن رسالة الإسلام تستهدف تحرير الإنسان في كل زمان ومكان وتستهدف تحقيق الحرية للبشر .. كل البشر وحتى الجهاد في الإسلام موجه أساساً لرفع الظلم والإكراه ووضع الجنس البشري على قاعدة الاختيار الحر بلا إكراه ولا تعصب ولا ظلم .. لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) البقرة الآية 256 أي تبين الحق من الباطل .
والحقيقة إن الأصل الإسلامي لحقوق الإنسان هو أفضل أشكال هذه الحقوق لأنه ينطلق من أن كل البشر عبيد لله سبحانه - وتعالى - ومتساوون أمامه فلا حق لبشر أن ينتهك كرامة بشر آخر ،ولا حق لجماعة بشرية ولا طائفة ولا قبيلة ولا دولة أن تنتهك حقوق الآخرين . والقرآن الكريم كله يتحدث عن الإنسان أو حديث إلى الإنسان حيث ذكرت كلمة الإنسان في القرآن ثلاثا وستين مرة .
ولا نبالغ إطلاقاً إذا قلنا إن البشرية لم تعرف صورة من صور الرفق الإنساني مثلما ما جاء الإسلام وما حثت عليه تعاليمه السمحة .
ورسولنا الكريم دعا الناس إلى الإسلام لكنه لم يجبر أحداً على اعتناقه والتاريخ خير شاهد على ذلك فقد عاهد يهود المدينة وتركهم على يهوديتهم وعاهد نصارى نجران وتركهم على نصرانيتهم وعاهد مجوس هجر وتركهم على مجوسيتهم .. كما أمر أتباعه بالرحمة في معاملاتهم مع جميع الخلق خاصة مع الضعفاء وقال ( لا يرحم الله من لا يرحم الناس ) .
وفي خطبته في حجة الوداع قال : اسمعوا مني تعيشوا ألا لاتظلموا ألا لاتظلموا أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) وقال عليه الصلاة والسلام : الظلم ظلمات يوم القيامة .
وفوق كل ذلك نجد أن رسولنا الكريم يرفع إلى درجة العبادة كل عمل يؤديه المسلم يترتب عليه نفع مادي لإنسان أو سرور نفسي لإنسان - وهذا المبدأ أصيل في الإسلام وهو أساس مهم لمبدأ الإخاء البشري الذي نادى به الإسلام وبالتالي فهو أساس مهم لمبدأ المساواة الإنسانية العامة الذي دعا إليه الإسلام .
وكان مبدؤه في ذلك أن الإسلام يحترم الإنسان ويكرمه من حيث هو إنسان لا من أي حيثية أخرى سواء أكان هذا الإنسان من أي سلالة أم من أي لون كان من غير تفرقة بين عنصروعنص وبين قوم وقوم وبين لون ولون مسقط كل أنواع التفرقة العنصرية لأن الإنسانية واحدة ومن هنا اعتبر الإسلام الاعتداء على نفس أي إنسان اعتداء على الإنسانية كلها القيمة كما جعل إنقاذ أي نفس إنقاذ للجميع .
وبما أن الإسلام هو دين الفطرة ودين السلام فإنه يحرم العدوان ويعلمنا أن نعيش بسلام مع جميع الناس طالما أنهم مسالمون ولا يضطهدون المسلمين ( فلا عدوان إلا على الظالمين ) البقرة الآية 193.
د. علي حسين الحلو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أبحــاث و دراسـات | السمات:أبحــاث و دراسـات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج







































































































