الشركات الأمنية العاملة في العراق5/4
كتبهاسـعيـد الجهاني ، في 6 ديسمبر 2009 الساعة: 00:02 ص
المصدر/ المعهد العربي للبحوث والدراسات

شنت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الحرب على العراق، بدعوى امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، ومثل هذه الدعاوى سرعان ما تم تحويل اتجاهها نحو هدف إنقاذ العراقيين من النظام الدكتاتوري المسيطر وأجهزته الأمنية القمعية، وتحديدا تلك المتعلقة بالجيش وقوات حماية المنشآت والاستخبارات العراقية الداخلية والعسكرية. واتضح هذا الدور أكثر مع إعلان الرئيس بوش في تخصيص مبلغ 100 مليون دولار لشركات الحماية والأمن لتأمين حماية المنطقة الخضراء التي كانت تتولى حمايتها القوات الأمريكية ذاتها، أي القيام بمهام الجيش الأمريكي.
ويضيف "شارلز هايمان" على هذه النقطة -وهو أحد مدراء شركة أمنية استشارية- تعليقاً على نشاط هذه الشركات في العراق أن هذه الشركات أشبه ما تكون بـ«شركات الجيوش الخاصة، وبدأت تشبه عصابات المرتزقة في العصور الوسطى في أن الحكومات تتعاقد معها من الباطن للقيام بعمليات». وأضاف أن «هناك نطاقا واسعا من الجنود المحترفين على الأرض يقومون بعمل أصعب من أجل أموال ضئيلة.. ومما يزيد من المشاكل أن هؤلاء الناس يعملون خارج إطار قوانين الجيش. بعضهم ببساطة خارج نطاق السيطرة». لكن مع التصعيد الأمني وازدياد أعمال المقاومة وفشل إدارة الاحتلال بخوض أعمال العنف وتخبطها في إدارة البلاد، ترافق ذلك مع ازدياد الطلب من المؤسسات والشركات الدولية مثل المستثمرين الأجانب والأمريكيين تحديدا الموجودين في العراق، أخذت عقود البناء تخصص جانباً من الميزانية إلى الجوانب الأمنية وبدأت إدارة الاحتلال تستخدم هذه الشركات للقيام بمهام القوات النظامية، فقد منحت شركة فينيل كوريورش عقداً بـ 48 مليون دولار لإنشاء نواة الجيش العراقي الجديد وتدريبه، وأوكلت مهمة إعداد قوات الشرطة العراقية إلى شركة دين كوريورش أيرو سبايس اوبرييشن، وأعلنت الحكومة الأمريكية في سبتمبر 2003 أن شركة "أيرنيز ايراك ليمتيد" ستتولى إعداد آلاف العراقيين من أجل حماية المنشآت في محيط خط أنابيب نفط كركوك – سيهان، وقد امتد عمل هذه الشركات المشاركة بالأعمال الحربية لصالح قوات الاحتلال، كما فعلت شركة بلاك واتر التي استخدمت طائراتها في قصف بعض ضواحي الفلوجة وإخلاء بعض جنود الاحتلال، كما أن جيش الاحتلال بدأ يستخدم أفراد هذه الشركات لتأمين المواقع التي يستهدفها جيش الاحتلال، حيث ترسل أفراد هذه الشركات إلى المواقع المختلفة لتأمينها قبل وصول القوات النظامية لجيوش الاحتلال.
إن مواكبة أعمال هذه الشركات يجد المتتبع لها ولنشاطاتها أنها لم تعد مجرد شركات حماية ومرافقة بل بدأت تستخدم من قبل الإدارة الأمريكية وسلطات الاحتلال لتمرير أجندتها الخاصة في العراق مقابل المال دون رقابة أو إشراف على أعمالها الأمر الذي سيعرض بالتأكيد سيادة هذا البلد في المستقبل للخطر، وفي ظل غياب التشريعات الوطنية والدولية للحد من نشاط هذه الشركات وأفرادها يصبح نشاط هذه الشركات -على حد تعبير تقرير صادر عن الجامعة الوطنية للدفاع في واشنطن في العام 2000 - والنتائج المتوخاة من نشاطها غير ذي جدوى وتعرض حقوق الإنسان للخطر(32وهو ما جرى عندما تورط عملاء شركتين خاصتين للحماية في فضيحة تعذيب واغتصاب سجناء عراقيين في سجن أبو غريب وهما شركتا (كاسي انكوري رايشن و تيتان كوربوراشن. أساليب وطرق عمل هذه الشركات الأمنية الشركات الأمنية وأساليبها الخاصة وقواعدها الداخلية التي تحكم عملها لأجل تحقيق الهدف الذي تقوم عليه وهو تقديم أفضل الخدمات الأمنية والحماية للزبون، فهي فقط شركة أمنية غايتها الأساسية الربح المادي (المالي) . كغيرها من الشركات التجارية تعمل على اتباع أساليب وطرق تسويقية للترويج لخدماتها. وفي العراق تأخذ هذه الأساليب طابعاً دراميتيكياً: حيث تقاس قدرة الشركة وكفاءاتها بحجم وعدد القتلى من أفرادها، فكلما زاد عدد القتلى بين صفوفها كلما زاد الطلب على خدمات هذه الشركة باعتبار أن ذلك كفيل ببناء الثقة لدى الزبون بعمل هذه الشركة وحرصهم على العمل. لم يكن لشركة بلاك واتر أن تحظى باهتمام مختلف بالدوائر الحكومية والخاصة والدولية بالطلب على خدماتها في العراق قبل حادثة مقتل أفرادها الأربعة على مدخل مدينة الفلوجة. ففي مارس "الربيع" من العام 2004
قتل أربع أفراد من الشركة الأمنية الأمريكية (بلاك واتر) وتم التمثيل بجثتي اثنين منهم وتعليقها على الجسر المؤدي للمدينة من قبل جموع غاضبة. لقد بدأ صيت هذه الشركة يعلو بعد هذه الحادثة وأخذ عملها يزداد بعد هذه الحادثة، باعتبار أن هذا الأمر يعكس مدى إخلاص وتفاني موظفي الشركة في الحفاظ على مصالح زبائنهم بحيث يصل بهم التفاني حد الموت. كما وازداد الطلب على خدمات إحدى شركات الحماية الجنوب أفريقية بعد مقتل أحد أفرادها وهو جراي براند فيلد ، يحمل الجنسية جنوب أفريقيا، في مدينة الكوت في أبريل "الطير" العام 2004. وفي هذا السياق، وضمن خطتها التسويقية تحاول هذه الشركات اضفاء هالة من الرهبة على نشاطها وعلى أفرادها، بحيث تتخذ هذه الشركات أوصافاً مختلفة مشبعة بالعنف والقوة من قبيل (الصقر، والعين الحمراء، والعسكريون المحترفون) وغيرها من الأوصاف التي توقع في النفس رهبة وخوفا. بالإضافة لذلك فهي تتخذ أساليب أخرى سواء لأجل إنجاح عملها أو لكسب مزيد من الزبائن: -1تدريب موظفيها على الطرق المثلى لتجنب الخطر وتحديداً على المهام التي تدر أرباحاً عالية، مثال التدريب على التعامل مع حالات الاختطاف. فالحالات الأخيرة أحد أبرز المهام الملقاة على هذه الشركات وتوليها اهتماماً خاصاً نظراً للأموال المتحققة من ورائها.
وقد ازدهرت تجارة الاختطاف في العراق بصورة كبيرة خلال السنوات الثلاث التي أعقبت الاحتلال حيث كانت فئة الصحفيين الأجانب والمستثمرين ورعايا دول الأجانب التي شاركت في العدوان على العراق من أكثر الفئات المستهدفة. مما ألقى على شركات الحماية مهام جديدة سواء في تخليص هؤلاء من الحجز أو التفاوض مع خاطفيهم لإطلاق سراحهم مقابل مبالغ مالية. -2إن الاختطاف مقابل المال أفرز على شركات الحماية تعيين أفراد ذوي مهارات خاصة مثال استقطاب مستشارين ومحللين سياسيين ومخبرين، بالإضافة إلى تعيين عدد من المخضرمين في هذا المجال. فطبيعة الأعمال التي تطلب منهم لإنجازها وخصوصاً في بيئة تعد الأخطر في العالم مثال العاصمة بغداد، بدأت الشركات الخاصة بتعيين أفراد اشتهروا بسمعتهم السيئة على صعيد انتهاك حقوق الإنسان والتورط بمحاولات قتل وتعذيب بل وانقلابات عسكرية في بلدان أفريقية، وكان من أبرز هؤلاء، الموظفين الأمنيين الذين كانوا يعملون في حكومة الدكتاتور التشيلي السابق اوغستو بنوشيه، وحكومة مجرم الحرب سلوبادان ميلو سفيتش ، وأفراد من نظام الحكم العنصري السابق في جنوب أفريقيا، ومن أمريكيا الوسطى وإسرائيل.
تعد شركات مثال Agies و Erinys و Meteoric Tactical solutions و Black Water و Dyn Corp من أكثر الشركات التي ترتبط مع قوى الاحتلال والحكومة العراقية بعقود أمنية وتستقطب عددا كبيرا من مجرمي الحروب السابقين والمتهمين في بلدانهم بعمليات قتل وتعذيب وتمييز عنصري. فشركة Erinys للحماية على سبيل المثال تستقطب عددا كبيرا من أفراد الحماية الذين كانوا يعملون في المؤسسات الأمنية التابعة للحكومة العنصرية في جنوب أفريقيا سابقا. وكان أفراد مثال Fracois Strydomو Deon Gouws ممن كانوا يعملون في هذه الأجهزة القمعية تم تعيينهم لحماية بعض الجنرالات الأمريكية في العراق. وقد عمل Strydom بالوحدة شبه العسكرية Koevoet حيث تورط بقصف وقتل أكثر من 40 - 60 ناشط جنوب أفريقي في مجال مكافحة التمييز العنصري (الأبارتاتيد) واغتيال وزير الشؤون المحلية (Kwa Ndebeli) وعدد آخر من المدنيين الأفارقة. 3 -سياسة التعيين، لا تقتصر هذه السياسة على تعيين أفراد ذوي سمعة سيئة، بل توظيفهم لاعتبارات شكلية ولغوية ودينية. وهذا الأمر يرتبط بكون المستخدم قادراً على التغلغل في المجتمع العراقي وفئاته المختلفة وتحقيق أفضل النتائج. حيث تسعى إدارات هذه الشركات على تعيين أفرادها ممن يجيدون اللغة العربية أو يتمتعون ببشرة داكنة أو سوداء ولديها القدرة على التأقلم مع الوضع المحلي. وقد أخذت بعض هذه الشركات بتعيين بعض اللبنانيين الذين التحقوا في تنظيمات مسلحة إبان الحرب الأهلية في لبنان ولا تستبعد التقارير كونهم من قوات لحد المتعاونة مع القوات الإسرائيلية في عدوانها على لبنان حيث فقدوا وظائفهم وتفرقوا بعد انسحاب إسرائيل من لبنان صيف العام 2000 في حين وجدت شركات أمنية أخرى ضالتها في الأفارقة وتحديداً الجنوب أفريقيين لطلب خدماتهم، حيث تجد بالبشرة السوداء علامة مميزة يقدر صاحبها على التغلغل بأمان في صفوف العرب السودانيين في جنوب العراق في حين يرى قسم آخر أن الأفارقة (الجنوب أفريقيين)
أصحاب البشرة البيضاء هم أكثر ملاءمة للوضع في العراق من نظرائهم البريطانيين لتأقلمهم بسرعة مع ثقافة وعادات العرب العراقيين.ورغم مميزاتهم العالية إلا أنهم يتقاضون أقل من نظرائهم البريطانيين والأمريكان. -4 استخدام المواقع الإلكترونية للترويج لخدماتها ونشر ثقافة القتل والعنف للترويج لشركاتها، وقد وضعت إحدى هذه الشركات فيلماً على موقعها (Aegis) تعرض فيه قيام أفرادها بإطلاق النار باتجاه المدنيين العراقيين القريبين من عرباتهم ذات الدفع الرباعي. وعلى الرغم من أن ذلك يعد انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني إلا أن تحليل هذا التصرف من قبل هذه الشركة يمكن إيعازه كونه أن الشركة في سبيل الحفاظ على مصالح زبائنها فهي تلقى بالا لمصالح المدنيين. هذه المميزات الجاذبة لخدمات أفراد الحماية لدى الشركات الأمنية، أفرزت العديد من التداعيات سواء على صعيد أوضاعهم في العراق أو على صعيد بلداتهم كما سنرى لاحقاً،
ويمكن إجمال أساليب عمل هذه الشركات على الأرض بالتالي: -1 دفع مبالغ ضخمة مقابل الحصول على المعلومات الأمنية والإستخباراتية وهي تستغل في ذلك بعض أبناء البلد من العراقيين. -2 عقد دورات تدريب وإرشاد لأفرادها حول طرق التعامل مع الخطر . 3-تزويد العملاء بإرشادات تجعلهم هدفا يصعب الحصول عليه، تبدأ منذ وصول العميل إلى المطار وإلى مغادرته العراق. -4الإقلال من الاعتماد على معونة الشرطة العراقية حيث إن هؤلاء أنفسهم قد يكونون متورطين في عمليات الاختطاف والقتل أي لهذه الشركات عالمهم الخاص بهم وقواعد لا تحكمها دولة أو جهة. 5 -استخدام السلاح دون اعتبار لإجراءاته وأوقات استخدامه. فالجندي الأمريكي لديه قواعد باستخدام السلاح تبدأ من بإظهاره والإشارة للجهة المقابلة بالتوقف ثم رفع السلاح وتصويبه ثم إطلاق النار، في حين أن رجال الحماية لا يتبعون لأي قاعدة، حيث يسارعون في عمليات القتل دون اعتبار وهو ما أثار حفيظة العديد من العراقيين بل ووزارة الداخلية العراقية التي خصصت رقما (خط أحمر) للمواطنين لتقديم الشكاوي ضد هذه الشركات. 6 -استخدام مختلف التقنيات سواء على صعيد الاتصال أو على صعيد الأسلحة حيث تستخدم جزء من هذه الشركات تقنيات عالية من الاتصال (فشركة Crescent تستخدم وسائل الاتصال في كل مكان من الكويت والعراق) وتمتلك بنية تحتية قتالية متقدمة فشركة Aegis تمتلك عربات مسلحة خاصة وهيلوكبترات لتأمين الحماية للقوات الراجلة على الطرق، والمزودة بأسلحة ثقيلة لا تستخدم بالعادة إلا في المعارك الحربية.
كما أن مجال الإستخباراتي له نصيب في أعمال هذه الشركات والعقود؛ فالشركة الدولية لتطبيقات العلوم تقوم على إعداد بعض البرامج التي تساعد وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة على مراقبة التليفونات والفاكسات والبريد الإلكتروني. 7 -تلجأ بعض هذه الشركات إلى العمل بعيداً عن القواعد والقوانين السارية في البلاد بحيث تمنح بعض هذه الشركات لنفسها صلاحيات احتجاز مواطنين ونصب الحواجز دون ترخيص ومصادرة بطاقات هوية المواطنين. 8 -ولتحسين صورتها أمام الإنسان العراقي المستاء من تصرفات أفراد هذه القوات وتخفيف الاستياء ضدها تسعى بعض هذه المؤسسات إلى الترويج لبعض الأعمال الثقافية وتقديم المساعدات والتبرعات، مثال توزيع الكتب والحقائب المدرسية، فشركة Aegis على سبيل المثال خصصت صندوقا خيريا تابع لها مخصصا للأعمال الخيرية في الأماكن التي تتواجد بها مكاتبها مثل الناصرية.
9 -وتستمر هذه الشركات باتخاذ العديد من الأساليب التي تحقق نجاحاً لمهماتها حتى لو انتهكت حياة وخصوصية الإنسان العراقي. فعلى الرغم من أن استخدام الكلاب أمر مألوف في نشاط شركات الحماية مثل بلاك واترإلا أن الإفراط والتهديد باستخدام الكلاب في المعتقلات ضد السجناء وتعرضهم للاعتداء من قبلها بدأ أمراً مألوفاً على الرغم من أن الغاية من استخدامهم هي الكشف عن المتفجرات وتعقبها ومسح المناطق. تتعدد الأساليب والطرق التي تعمل بها هذه الشركات في العراق، وقد تكون أغلب هذه الأعمال أو الأساليب المتبعة ببعض الدول الأخرى لكن خطورة ما يجري في العراق أن هذه الأساليب لا تحكمها قواعد قانونية أو إجرائية محددة، فالحماية القضائية ضد الملاحقة القانونية التي يتمتع بها أفراد هذه الشركات جعلتهم بحل من الالتزام بما تفرضه هذه الأساليب في البلدان التي سمحت لنشاط هذه الشركات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أبحــاث و دراسـات | السمات:أبحــاث و دراسـات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج













































































































