الفايغلينية .. سبيل التيار الديني للسيطرة على الدولة العبرية
كتبهاسـعيـد الجهاني ، في 3 يناير 2010 الساعة: 03:38 ص
صالح النعامي

كان شارون يوقف موكبه منتظراً أن يتقدم لمصافحته، لكن الشاب باستعلاء واضح يلوح له بيده ويندفع نحو البرلمان دون أن يلتفت إلى زعيم حزبه. الجميع يتزلفونه، الوزراء والنواب المنتمون للحزب يستشيرونه في كل كبيرة وصغيرة، هاتفه النقال لا يتوقف عن الرنين، على الطرف الآخر من الخط: أعضاء من اللجنة التنفيذية ينتظرون رد الشاب الحاسم في القضايا التي تهم الحزب. إنه موشيه فايغلين ( اثنين وأربعين عاما )، زعيم حركة " القيادة اليهودية "، أهم الأجنحة في حزب " الليكود " العلماني الحاكم، وأكثرها تأثيراً على توجهات الحزب وسياسات الحكومة الحالية. منذ الانتخابات التمهيدية التي جرت في الليكود عشية الانتخابات التشريعية الأخيرة أصبح فايغلين وجماعته القصة الأكثر نجاحاً في الحلبة الحزبية الإسرائيلية، فقد نجح في جعل الاستطلاعات التي أجرتها مراكز قياس الرأي الأكثر شهرة في الدولة العبرية ، عندما نجح في إدخال عدد من أنصاره إلى قائمة مرشحي الليكود بزعامة نتنياهو.
وفي أواخر العام 2004 سبق له أن قاد حملة ضد شارون بوصفه رئيس الوزراء وزعيم الليكود ارئيل شارون و معظم وزرائه، واستطاع أن يقنع معظم منتسبي الحزب بالتصويت ضد خطة " فك الارتباط "، في الاستفتاء الذي أجري في أوساطهم بخلاف كل التوقعات. لم يفلح شارون في تجنيد إنجازه المتمثل بالضمانات غير المسبوقة التي قدمها له الرئيس الأمريكي جورج بوش والتي تحسم عمليا جميع قضايا الحل الدائم لصالح الدولة العبرية في زعزعة ثقة معظم منتسبي الحزب بالمسوغات التي قدمها فايغلين لرفض الخطة، و لم تصمد في حينه حجج وزير الدفاع الأسبق شاؤول موفاز، الجنرال الأكثر دموية في تاريخ إسرائيل، الذي حاجج فايغلين بالقول إن تطبيق خطة " فك الارتباط "، في قطاع غزة تهدف عملياً إلى سلخ الضفة الغربية وضمها إلى الدولة العبرية " إلى أبد الآبدين "، كما كان يحلو لموفاز أن يطمئن مستمعيه. القاعدة الحزبية الأوسع في إسرائيل اختارت أن تصدق الشاب المتدين ورفاقه الذين لا يرون طائلاً من أي تسوية مع العرب لإيمانهم العميق ب " صراع الحضارات ".
بسبب هذا الشاب، اضطر شارون لترك الليكود وتشكيل " كاديما " الذي يذوي حالياً في ظل الانشقاقات. تعدد الأجنحة في الحزب العلماني الواحد داخل الدولة العبرية، ظاهرة رافقت قيام الدولة وحتى الآن، لكن الذي يجعل الأمر مختلفاً، بل وثورياً بالنسبة للتأثير الكاسح لحركة "القيادة اليهودية "، على حزب الليكود هو حقيقة أن جميع أعضاء هذه القوة الحزبية الصاعدة باندفاع هم من أتباع التيار الديني الأصولي " الأرثوذكسي " المتطرف، وهذا ما لم يكن من قبل مطلقاً. فايغلين يتباهى بالهدف الذي وضعه لجماعته وله شخصياً وهو الوصول إلى قيادة الحزب، ومن ثم قيادة الدولة وتطبيق أيديولوجية حركته ( سنتطرق لاحقاً بشيء من التوسع لأفكار " القيادة اليهودية" ومنطلقاتها الأيديولوجية ). قوة الدفع المذهلة التي يتحرك بها فايغلين ورفاقه تجعل معظم الأوساط الحزبية في الدولة العبرية لا تستبعد أن ينجح في تحقيق أهدافه. الانطباعات العميقة التي تركتها الإنجازات التي حققتها جماعة " القيادة اليهودية"، جعلت عدداً من كبار علماء الاجتماع السياسي في الدولة العبرية وأشهر معلقي وسائل الإعلام الإسرائيلية يرون أن انطلاق " القيادة اليهودية " يؤذن في الحقيقة بانطلاق مدرسة فكرية صهيونية ثالثة تنافس مدرستي الصهيونية العملية والصهيونية التصحيحية. عدد من علماء الاجتماع السياسي، فضلاً عن كبار المعلقين اصطلحوا على تسمية هذه المدرسة ب " الفايغلينية "، للدور الذي يلعبه زعيمها الشاب في بلورة أفكارها ونقلها بقوة إلى دائرة التأثير في المعترك السياسي والحزبي والاجتماعي الإسرائيلي. ونحن هنا سنتطرق إلى الأسباب التي حدت بأتباع التيار الديني الأصولي الصهيوني المتزمت للتوجه للتأثير والسيطرة على الأحزاب العلمانية الكبيرة، وبالذات حزب الليكود، الحزب الأكبر والأهم، والذي يهيمن لوحده على حوالي ثلث مقاعد البرلمان في الدولة العبرية. وما هي الآليات التي يتبعها أتباع التيار الديني الأصولي الصهيوني المتشدد للسيطرة على الأحزاب العلمانية، وما تأثير هذه الظاهرة على مستقبل الدولة العبرية وشكل الصراع بين العرب وإسرائيل بالنظر للأيديولوجية التي تنظم الخط الفكري لــ " الفايغلينية لماذا الانقضاض على الأحزاب العلمانية الكبيرة
في مقابلة نادرة نشرتها له مجلة الصفوة " الأيام السبعة "، في عددها الصادر بتاريخ 11-6-2004 يشرح فايغلين الأسباب التي دفعته للانتقال من العمل ضمن الحركات الدينية الأرثوذكسية المتزمتة إلى فضاء الأحزاب العلمانية الكبيرة،سيما الليكود. يقول فايغلين إن النشطاء السياسيين المتدينين قد ارتكبوا منذ الإعلان عن الدولة خطيئة كبرى عندما حصروا نشاطهم ضمن الأحزاب الدينية التي عادة ما حرصت على تمثيل قطاعات بعينها في الجمهور اليهودي في الدولة العبرية، الأمر الذي كرس مكانة هذه الأحزاب ونشطائها خارج ما يعرف ب " الإجماع الصهيوني العام "، الذي تشكله القواسم المشتركة لكل من حزب الليكود باعتباره حزب علماني يمين وسط، وحزب العمل، باعتباره حزب علماني يسار وسط. ويرى فايغلين أن غياب النشطاء السياسيين المتدينين عن ساحة العمل داخل الأحزاب العلمانية الكبيرة هو الذي مكن الساسة العلمانيين من تحديد معالم " الإجماع الصهيوني "، بدون أي صلة بتوراة " شعب إسرائيل ". ويرى فايغلين أن قبول قطاعات من اليهود داخل الدولة العبرية، ومن ضمن أولئك قطاع هام من العلمانيين من أصحاب التوجهات اليمينية لفكرة التنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل مقابل تسوية سياسية مع العرب هو نتاج طبيعي لعدم احتكام الطبقة السياسية الحاكمة في الدولة الى منظومة القيم التي تمليها " التوراة "، على العاملين في مجال السياسة. ويضيف فايغلين أن هذا ما دفعه للانضمام إلى حزب الليكود كمنتسب عادي في أواخر العام 1999ليقف بعد أربعة أعوام على رأس أكبر جناح داخل الحزب العلماني الأهم في الدولة. فايغلين المتدين، الذي يتباهى بحفظه لعشرات الآلاف من نصوص الفتاوى التي أصدرها كبار رجالات الإفتاء على مر العصور، يرى أن قيام الأحزاب و الحركات الدينية في الدولة العبرية كان له بالغ الأثر في التأثير سلباً على مكانة الدين اليهودي. ولا يتردد فايغلين صاحب اللهجة الحادة واللسان السليط في وصف هذه الحركات والأحزاب بأحزاب " المتــقاعــدين ".
آليات السيطرة: الإغراق بالمنتسبين
في أواسط التسعينيات خبرت إسرائيل طريقة الانتخابات التمهيدية، حيث تقوم القاعدة الانتخابية لكل حزب باختيار مرشحيه لشغل مقاعد البرلمان، ومرشحه لرئاسة الوزراء. تحديد القاعدة الانتخابية التي يحق لها الانتخاب يتم بعد عملية تنسيب مقترنة بدفع رسوم انتساب. عندما انضم فايغلين لليكود في أواخر العام 1999 كان الحزب يوشك على تنظيم عملية انتساب شاملة. يقول فايغلين إنه لم يضيع أي ثانية من أجل استغلال هذا الحدث إلى أقصى حد، وبالفعل فقد اتصل على جناح السرعة بعدد من أقطاب اليمين المسيحي الصهيوني الأمريكي الذين يعتبرون الحليف الأوثق لأتباع التيار الديني الأرثوذكسي في الدولة العبرية، وشرح لهم مخططه الهادف إلى إحكام سيطرة على حزب الليكود، مطالباً إياهم بالتجند لجمع تبرعات عاجلة له. بسرعة شكل أقطاب اليمين المسيحي حركة مساندة لفايغلين في الولايات المتحدة أطلقوا عليها " صديقي هذه أرضنا" هدفها جمع التبرعات لصالح فايغلين وحركته. الذي دفع هذه الجماعة للتبرع لجماعة فايغلين هو اعتقادها بوجوب قيام دولة يهودية " خالصة " قبل حرب " يأجوج و مأجوج"، التي تسبق نزول المسيح مجددا. كما يقول فايغلين ففي غضون شهرين استطاع تنسيب عشرة آلاف متدين لحزب الليكود، جميعهم من المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة. هذه القاعدة الصلبة من المنتسبين لليكود مكنت فايغلين من التحكم بطبيعة الأشخاص الذين يتم انتخابهم ليمثلوا الحزب في البرلمان والحكومة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أتجاهات الرأي | السمات:أتجاهات الرأي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج













































































































