المصدر/ المعهد العربي للبحوث والدراسات

شنت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الحرب على العراق، بدعوى امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، ومثل هذه الدعاوى سرعان ما تم تحويل اتجاهها نحو هدف إنقاذ العراقيين من النظام الدكتاتوري المسيطر وأجهزته الأمنية القمعية، وتحديدا تلك المتعلقة بالجيش وقوات حماية المنشآت والاستخبارات العراقية الداخلية والعسكرية. واتضح هذا الدور أكثر مع إعلان الرئيس بوش في تخصيص مبلغ 100 مليون دولار لشركات الحماية والأمن لتأمين حماية المنطقة الخضراء التي كانت تتولى حمايتها القوات الأمريكية ذاتها، أي القيام بمهام الجيش الأمريكي.
الانتشار الواسع لنشاط هذه الشركات
قبل غزو العراق كانت تجارة الحماية مقابل المال تشهد نمواً متصاعداً ويرجع ذلك لعدة عوامل أشرنا لها مسبقاً، منها عدم وجود القواعد والقوانين الوطنية التي تمنع أو تحد من هذه التجارة التي حققت أرباحاً وصلت إلى 100 -200 مليار سنوياً.
لذلك لم تسن الولايات المتحدة أو بريطانيا أي تشريع يحد من هذه التجارة (الارتزاق) أو لم تضع العقوبات المناسبة للحد من نشاطها.
ولعل المصالح الاقتصادية والأرباح العالية التي توفرها هذه التجارة الدافع لدى بعض جماعات الضغط في الولايات المتحدة للحيلولة دون فرض عقوبات مناسبة للحد منها.
بل مارس بعض كبار الشخصيات في الإدارة الأمريكية مهمة رئاسة وعضوية مجالس إدارة بعض هذه الشركات. ويعد نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني أحد الشخصيات التي أثير حولها الجدل في منح شركة Halliburton التي ترأس إدارتها خلال التسعينيات عقود إعمار في العراق وصلت إلى ثمانية مليارات دولار48) وبالرجوع إلى نشاط هذه الشركات يجد المتتبع لها أنها مختصة بعدد من الخدمات، من تجارة النفط والغاز إلى المقاولات وبناء القواعد العسكرية، وتدريب الجنود، وتأهيل الجيوش المحلية، وبناء الموانئ وتقديم الحماية والأمن وغيرها.
وقد رأس إدارتها ديك تشيني طوال فترة التسعينيات قبل اختياره كنائب للرئيس حيث تضاعفت أرباح هذه الشركة خلال فترة رئاسته لها، وقد عمل صديق له وهو David Gribbin الذي كان وسيلة الاتصال بين الحكومة والشركة في توفير مئات العقود الحكومية للشركة. ويشغل هذا المنصب حالياً الكولونيل Jo Lopez رئيس الأركان الأمريكي السابق في جنوب أوروبا.
لذا لم يكن من المتوقع أن تقوم الإدارات الأمريكية المتعاقدة في سن القواعد والقوانين التي تحد من نشاط وأرباح هذه الشركات العملاقة(49). لقد حصلت شركة هالبترون وفرعها Kellogu Brown and Root على عقد بقيمة 1.8 مليار لإعداد تقرير مبدئي حول كيفية إعادة إصلاح آبار النفط العراقية، وقد كشفت لجنة استماع في الكونجرس الأمريكي أن الإعداد لهذه الصفقة تم في 2002 وذلك قبل شن الولايات المتحدة الأمريكية لحربها في العراق العام 2003.
وبالفعل أعدت هذه الشركة التقرير مما مهد لها الحصول على عقود أخرى بلغت قيمتها 8 مليارات وهي عقود كان من المفترض منحها لمؤسسات حكومية أمريكية(50 وقد منحت Kellogy brown مهمة حماية أنابيب النفط في شمال العراق قبل أن تتولاها شركة الحماية البريطانية Erinys المتخصصة في مجال حماية أنابيب النفط والغاز ومنشآتها.
في مقابل ذلك نجد أن هنالك دولاً أخرى بدأت تعي بضرورة سن القوانين والقواعد للحد من هذه التجارة نظراً للمعاناة الإنسانية التي تسببها.
فجنوب أفريقيا أدركت مخاطر هذه التجارة على سمعتها الدولية، وسنت في العام 1998 قانوناً (Foreign Military Assistance Act) يفرض عقوبات (غرامات مالية) على ممارسة هذا النشاط لكن ليس بالصورة الرادعة، مما سمح لبعض الشركات الأمنية استغلال الضعف في القانون لإنشاء شركات خاصة أمنية، وسمح لأفراد بعض أجهزة النظام العنصري السابق في العمل لدى شركات الحماية الأمريكية والبريطانية في العراق.
ونظراً للخصائص التي يتمتعون بها، كمواصفات جسدية (لون البشرة) وملامح شرقية، بالإضافة للخبرات القتالية وتورطهم في محاولة اغتيال وقتل ومشاركتهم في محاولات انقلاب بدول أفريقية لصالح جهات مشبوهة مقابل الحصول على المال أي دون اكتراث للقوانين أو الأخلاق، شكلت كل هذه العوامل عامل جذب لشركات الحماية لهم.
وهنا تفرض علينا معطيات الدراسة البحث في دور بعض شركات الحماية موضحين أهدافها وبرامجها في العراق، مركزين في هذا الإطار على الشركات الأمنية التي تستقطب أفراداً غير محليين (عراقيين) للعمل في هذا القطاع.
وسوف نركز حديثنا هنا على نشاط الحماية من مواطني جنوب أفريقيا باعتبارها إحدى الدول التي أشارت لها تقارير الأمم المتحدة كونها تأتي في المرتبة الثالثة من الدول التي لها رعايا عاملين في قطاع الحماية والأمن بعد البريطانيين والأمريكان في العراق.
الموقف العراقي من نشاط هذه الشركات
إذا كان الموقف الأمريكي واضحاً من حيث تأييده لتخصيص عقود إعادة الإعمار إلى شركات أمنية متخصصة وخصوصاً تلك الشركات التي ارتبطت معها بمصالح اقتصادية من خلال بعض أعضاء الفريق الحكومي في الإدارة الأمريكية ومجالس أعضاء هذه الشركات، فإن الموقف العراقي ترنح بين عدة مواقف مختلفة، سواء تلك المؤيدة لنشاطها من جانب الحكومة والمليشيات العسكرية المختلفة أو المعارضة لعملها خصوصا من جانب قطاع واسع من الشعب العراقي ومن جانب قوى المقاومة؛ بحيث وصل الموقف منها حد شن الحرب عليها باعتبارها أحد مخرجات العملية السياسية المفروضة على العراق من قبل إدارة الاحتلال والأمم المتحدة التي أعطت إدارة البلاد لسلطة الاحتلال برئاسة الولايات المتحدة.
لم يكن للشركات الأمنية وجود قبل التاسع من أبريل "الطير"2003 لكن سرعان ما سن القرار رقم 17 حتى ازدادت الشركات العراقية المسجلة في وزارة الداخلية للع





































































































