محمد خليفة الجنافي

لا يتأتى تحليل دوافع مبادرة سويسرا العنصرية بمعزل عن إطارها العام المتمثل في أجواء الشحن العنصري ضد الإسلام في محيطها الأوروبي ، فنتائج الاستفتاء المؤيدة لقانون حظر المآذن ليست سوى عينة عشوائية تؤشر لاتجاهات الرأي العام في كل المجتمع الأوروبي دونما استثناء ، وما من شك في تحقق ذات النتيجة فيما لو تم استفتاء باقي شعوب الدول الأوروبية حول قانون سويسرا العنصري ، فالثقافة العنصرية في أوروبا هي مشروع قانون جاهز للتصويت والإقرار ،ونحن هنا لا نرجم بالغيب أو نلقي بالتهم جزافا بقدر استنادنا إلى معطيات الواقع التي تؤكد بأن الأوروبيين كانوا ومازالوا يرزحون تحت طائلة حملة عنصرية منظمة ضد الإسلام والمسلمين وهم مهيأون اليوم أكثر من أي وقت مضى لإقرار ما هو أسوأ من هذا القانون ضد الإسلام والمسلمين فيما إذا استفتوا عليه . بيد أن سويسرا التي بادرت بنقل العنصرية الأوروبية من ثقافة سائدة إلى تشريع قانوني رسمي ونافذ هي من سيحمل وزر العار التاريخي لجريمة تقنين العنصرية .
فما لا يعلمه الكثير في العالم الإسلامي عن سويسرا التي ضاقت مساحة ما تدعيه من حريات وحقوق وحضارة بحق المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية في المساجد هو أن عدد المآذن فيها لا يتجاوز الأربع مآذن ..! فهي لم تكن بحاجة إلى إصدار مثل هذا القانون لحظر ما هو محظور قبل صدوره إلا من قبيل ترسيم الأجواء العنصرية وإثبات أن العداء للإسلام والمسلمين يسيران في خطين متوازيين على الصعيدين الشعبي والرسمي ، على الرغم من أن الجالية الإسلامية في سويسرا والبالغ تعدادها نحو 400 ألف نسمة لم يصدر عن أبنائها أية أحداث عنف أو تهديد لحالة الأمن والسلم السويسري ليبرر مثل هذه السقطة المروعة في منزلق التحريض المتعمد ضد الإسلام والمسلمين والذي سيعرض دون شك سلامة الجالية المسلمة فيها ودور العبادة الإسلامية القليلة جدا والتي لا يتناسب عددها مع عدد المسلمين المقيمين في سويسرا إلى مخاطر الاعتداءات العنصرية التي وصلت في أوروبا إلى حد قتل المسلمين تحت أنظار القضاة وفي قاعات المحاكم .
فالشحن الإعلامي العنصري الذي دفع بقاتل مروة الشربيني إلى ارتكاب جريمته العنصرية مع سبق الإصرار والترصد في قاعة المحكمة وكان أقصى ما تمخض عن العدالة الألمانية هو الحكم عليه بالسجن لبضعة سنوات سيتحول بمبادرة سويسرا العنصرية إلى تشريعات نافذة تبيح الإساءة إلى الإسلام في كل أوروبا وبل وتمكن ذوي النزعة العنصرية من إهدار دماء المسلمين وانتهاك حرمة مقدساتهم تحت غطاء قانوني يوفر الحصانة للجناة ، فقد كان من المنتظر أن تحمل جرائم الاعتداء على المسلمين والإساءة للإسلام حكومات أوروبا وفي مقدمتها سويسرا على إعادة النظر في تعاطيها العنصري مع الإسلام والمسلمين ، والمباشرة في صياغة قوانين تجريم الإساءة للأديان بدل التمادي في تأجيج مشاعر الحقد العنصري لمواطنيها ، وليس من قبيل الصدفة أن تأتي هذه الخطوة متزامنة مع محاكمة ألمانيا لعجوز قد شارف على الموت وهو في نهاية العقد التاسع من عمره على جريمة لم يرتكبها منذ ما يقارب السبعين سنة بما أنه كان جنديا مأمورا في أحد المعسكرات النازية التي يدعي المجرمون الصهاينة بأن اليهود قد تعرضوا للإبادة فيها ، فأي حضارة في مجتمعات تقدس الأساطير وتسن القوانين لحمايتها وتقضي تشريعاتها بسجن كل من يشكك فيها وتمنع مجرد الجدل فيها حتى في أطره الفكرية والعلمية للوقوف على حقيقتها في الوقت الذي تسن فيه القوانين العنصرية للإساءة إلى الأديان وفي الوقت الذي ترفع فيه دونما خجل أو حياء شعاراتها الجوفاء عن الديمقراطية والحقوق وحرية ممارسة المعتقدات الدينية ليأتي الدليل القاطع على خواء هذه الإدعاءات من سويسرا التي يتشدق الغرب بأنها نموذجه الإنساني الأمثل ، فهل ستوقظ هذه الصفعة العقول الحالمة بوهم العدالة الغربية والمنادية بالأخذ بنموذجها الحضاري الذي لا يمثل سوى دعوة لامتثال الضحية لأوامر جلادها ..؟ .
فملصقات الحملة العنصرية التي غطت جدران سويسرا قبل الإعلان عن نتائج التصويت ، لم تكن سوى القطرة التي أفاضت كأس الحقد العنصري الذي ملأته حملات التعبئة العنصرية على مدى سنوات عديدة مضت ، والصور التي احتواها الملصق لم تكن جديدة على انطباعات المواطن السويسري والأوروبي عموما ، فالمرأة المنقبة ذات الملامح القاسية والمتشحة بالسواد هي صورة الإسلام في ذهنية الأوروبي كما رسمها الإعلام العنصري في سويسرا والغرب عموما ، أما المآذن السوداء المرسومة على هيئة صواريخ تخترق الصليب الذي يتوسط العلم السويسري الأحمر لتبين بوضوح حجم ومستوى الدعاية المنهجية المضللة وتفسر أسباب ظاهرة الإسلاموفوبيا التي تنتاب المواطن الأوروبي وتدفعه إلى التصويت على القوانين العنصرية ،











































































































