بعد توقيع الجماهيرية العظمى والولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية تسوية دعاوى مواطني كلٍ من الدولتين يوم 2008-8-14 تدخل العلاقات الليبية - الأمريكية مرحلة جديدة من شأنها أن تهيئ أدواراً على مستوى التفاعلات الدولية لكل من الدولتين. ولقد شكلت العديد من الدراسات والمقالات، والندوات تراثاً أدبياً في تحديد مسارات التفاعل الدولي . إلاّ أن الدراسة التي أعدها الباحث، والأستاذ الجامعي الليبي د.ميلود المهذبي تعتبر من أهم ما كتب في الموضوع، نعيد نشرها للأهمية.
المحرر
أولاً : توطئة :
إن ما يدعونا إلى الحديث عن العلاقات الليبية - الأمريكية هو حقيقة التغيير الذي قاد السياسة الخارجيـة لكل من الدولتيـن إلى إحداث نـوع من الحركيـة (الديناميكية ) الدوؤبة ،والهادئة خرجت بمستواها (الستاتيكي)عما قيل من أنه من الثوابت الناظمة لسياسة الدولتين اتجاه بعضهما بعضاً . وقد كان هذا التحول يبدو طبيعياً في سياق نشاط السياسة الخارجية في البلدين، وفي مواجهة العديد من القضايا الدولية .
وإذا كانت العديد من البحوث ، والندوات ،واللقاءات قد تصدت لدراسة محددات واستراتيجيات العلاقات الدولية بشكل عام وسعت إلى محاولات تحليل طبيعة هذه العلاقات وتطوراتها ( السلبية ، الإيجابية) ، فإن هذه المساهمة سيقتصر دورها على التركيز ( بشكل عام) على المعطيات المتعددة ، والمواقف المتقاطعة والعوامل المؤثرة في مسارات تفاعل كل من الدولتين.
ولعلنا سنولي الجانب القانوني، والسياسي أهمية متزايدة في سيـــاق التحليل ، و دراسة تأثير مجريات ، وتفاعلات النظام العالمي على أنساق تجاذبات السياسة الخارجية لكل من الجماهيرية ، والولايات المتحدة الأمريكية … وهو ما يشكل (في رأينا) خطوة أولية لفهم حقيقة مستقبل التفاعل، وتطور طبيعة العلاقات.. .
وفي الوقت الذي أرجع فيه العديد من المحللين،( السياسيين ، الاقتصاديين الاستراتيجيين) هذا التحول في السياسة الخارجية في كل من الدولتين إلى مؤثرات، وأحداث عالمية ، وإلى تأثير مجموعات ضغط وطنية ( في كل من البلدين) ربما تكون قد دفعت في هذا الاتجاه ( الفريق الأول) ، فإن آخرين( الفريق الثاني) يرجعونه إلى حضور المعطيات الاستراتيجية ، التي قد تنطلق من مكانة النفط في اقتصاد الدولتين (إنتاجاًواستهلاكاً) ، وتمتد إلى التوافق في محاربة ظاهرة الإرهاب ، لترسو عند الطبيعة الجيو - استراتيجية التي تتمتع بها كل من الدولتين .
أما الفريق الثالث ، فإنه عزا إعادة العلاقات الدبلوماسية ( كمظهر للتطبيع) ما بين الدولتين (من تصادم إلى حوار، وتعاون ) إلى جملة من التفاعلات في البيئة الداخلية لكل من الدولتين ، والتي ربما تكون قد هيئت الظروف لإتاحة المناسبة للسير في مسارات إعادة النظر في المواقف ، وفي المحددات ، وفي أهداف السياسة الخارجية في كل من الولايــات المتحدة الأمريكية وليبيا .
ولعل من أهم تلك التفاعلات… الحملة الانتخابية الأمريكية ، والتي جرت في شهر(الحرث) 2004 من ناحية، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الإدارة الجمهورية بسبب الحرب على العراق ، وحدة التجاذبات الأمريكية - الكورية الشمالية ، والإيرانية الأمريكية ، ومسألة دارفور، ورغبة الدولة الليبية في كسر الحصار الذي أرادت لها بعض المصالح السياسية الدولية أن تبقيها فيه ، والاعتراف بالدور الليبي في العديد من القضايا. من ناحية أخرى …(مصالح أمريكية وأوربية وأحياناً مصالح عربية !!…) .
إلا أن التحليل الموضوعي ( ووفق منهجية تعدد المشارب ) يقودنا إلى إدراك، والاعتراف بحقيقة أن قطع العلاقات الدبلوماسية ما بين الدولتين طيلة عقدين من الزمن قد أوجد فراغاً سياسياً ، واقتصادياً ، ودبلوماسياً وثقافياً فيما يتعلق بالتعاون فيما بينهما . ولم يقتصر الأمر على هذا الفراغ ، بل إن صراع الإرادات قد أفرز العديد من القضايا القانونية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والمالية ، و زاد من تعقد طبيعة العلاقات الثنائية وانعكاساتها على السياسة الخارجية الليبية .. وهو أمر قد سبب في نشوء إشكاليات ذات طبيعة مركبة ، وتنامت بتواز ٍ استحقاقات متنوعة للطرفين في مواجهة بعضهما ، مما جعل من عمل المؤسسات الاقتصادية ، والأكاديمية ، والمالية ، والقنوات الدبلوماسية في علاقات الدولتين، شبه معطلة.
لذلك ، فإنه يصير من واجبات المؤسسات (في زمن عودة العلاقات) المعنية بالعمل على تطوير العلاقات ما بين الدولتين ( الاتصال الخارجي، أمانة الاقتصاد، المراكز البحثية التعليم العالي ، النفط ، المواصلات) العمل على خطٍ متوازٍ مع مجهودات معالجة آثار القطيعة ، وتجاوز ترسبات التوتر في الماضي ، وذلك بغية بناء جسور من إعادة الثقــة (مستقبلاً ) لتأسيس روابط متينة تقوم على الاحترام ، والاعتراف بالآخر، وبالندية، وبحق الاختلاف في المواقف تجاه قضايا محددة والتعاون في الميادين كافة. وفي هذا السياق فإن مسألة إعادة الثقة أصعب بكثير من مجرد بناء الثقة …
إن موضوع هذه الورقة يركز ( ولكن بإيجاز) على دراسة السياسة الخارجية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وليبيا، كما مورست عملياً ( فضلاً عن التعرض لها نظرياً ) ، لذلك … فإن المنهج المتبع في هذه الدراسة الموجزة ، إنما يقوم على رصـد وتحليل الموضوع وتفسير ، واستخلاص النتائج لظاهرة تذبذب العلاقات ما بين الدولتين ثم التعرض لعودتها . وهو ما يقتضي رصد أهم المحطات في مسيرة التجاذب ، والتنافر ، والاعتماد على أكثر من منهج واحد في التحليل .
لذا ، فإنه يصير من نافلة القول التذكير … بأنه ما من منهج واحد ، أو رؤية متفردة يمكنهما ( كلاً على حدة )، أو حدثاً محدداً يُمَكن من الوصول إلى نتائج علمية في المسألة . فخصوصية كل دولة من حيث انتمائها الحضاري ، وهويتها الثقافية ، وتركيبة شعبها النفسية ، وطبيعة النظام السياسي ، والبُنى الاجتماعية ، والاختيارات الاقتصادية … فضلاً عن تغير البيئة الدولية ، والوطنية تجعل من أتباع رؤية واحدة في تحليل أبعاد العلاقة أمر تكتنفه العديد من الصعوبات .
إن ما يميز العلاقات الأمريكية - الليبية في حالتي القطيعة ، والتواصل ،وفي فترات التجاذب ،والتنافر هي أنها موضوع خصب للدراسة قد لا تستطيع هذه المساهمـة (المتواضعة ) أن تحيط به إحاطة كاملة .
ثانياً : معطيات أساسية:
قبل الدخول في تفصيلات الحديث عن مستقبل العلاقات الأمريكية - الليبية فإنه، قد يكون من الملائم الإقرار أولاًً … بوجود مجموعة من المحددات العلمية وثانياً… القبول بحقائق جيو - استراتيجية ، وثالثاً … عدم تجاوز المعطيات النفسية، و البناءات التاريخية، وهي معطيات جميعها كانت المؤثر الحاسم على مجريات العلاقات ما بين الدولتين في حالتي : الاستقرار والتوتر … وتبرز لنا مجموعة من الحقائق يمكن أن توجز فيما يلي :-
أ - إن اختلاف الرؤى ، وتعارض المواقف وتقاطع السياسات ما بين الدول يعتبر إحدى أهم سمات السياسة الدولية المعاصرة ( بل والتقليدية ). ولعله يصير من الطبيعي أن تتنازع الدول وتتبدل مواقفها ، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بدولتين على اختلاف بيّن في القوة وفي التاريخ ، وفي الدور السياسي ، وفي تحليل الأحداث الدولية . فضلاً عن تباين في الموقع الجغرافي ، وفي عدد السكان ، وفي الثروة ، وفي عضوية المنظمات الدولية (العضوية الدائمة في مجلس الأمن ) وفي التجهيزات العسكرية، وفي درجة التطور التقني .
بمعنى آخر ،فإن التجاذبات ،والتباينات (نظريات الصراع) كانت تجري ما بين دولة حديثة التاريخ ، ولكنها استطاعت خلال فتــرة قصيـرة (230سنة ) أن تكون قادرة على صناعة الحدث، والتاريخ ، وأن تنفرد بقيادة العالم (ولو مؤقتاً) ، وهي هنا الولايات المتحدة الأمريكية ، وبين دولة ( الجماهيرية الليبية ) تشعر بانتمائها لأمـة وحضارة تاريخية عريقة مما ضخم الشعور لديهـا (بحق) بالذات وبالتالي التعامل بالندية ،وبالتحـدي ولكنها (كغيرها من الدول الأخرى ) ترى بأن التاريخ المعاصر صار يصنع خارج ، أو غصباً عن إرادتهـا . لذلك ، فإن المواجهة ما بين سياسات متقاطعة ، والصدام ما بين تحليلات ، ومواقف متباينة كان يعتبر شبه حتمي ما بيـن الإرادات، والأدوار ، والطموحات …
ب - إنه من الطبيعي أن تختلف الدول وتتنازع ، بل إن تفاعل البشر عبر القرون لم يلغ الحروب . ومهما تقدم الفكر الإنساني فإنه لا يمكن أن يتخلص من حقيقة التدافع البشري. إلا أنه من زاوية أخرى ، فإنه يصير من مظاهر العبث السياسي، ومن انعكاسات القصور العقلاني، أن يستمر الخلاف ، أو النزاع، أو الصراع ، أو الحرب إلى الأبد. فالمجتمع الدولي يتطور ، ويتغير ، والأفكار تتبدل ، والمواقف تتخذ مسارات تقتضيها طبيعة الحدث ، والزمن ، والسياسات . فلا علاقات ودية دائمة ، ولا عداوات مستمرة ، وإنما هي المصالح، وتغير رؤية صانع القرار فيما يتعلق بإدراك الواقع ، كما أن النسق الدولي من حيث الترابط Interconnectedness ما بين الوحدات ، وأخذاً في الاعتبار طبيعة أن التفاعل الدولي لا يمكن أن يكون عشوائياً ، ولكنه تفاعل نمطي Patterned Interaction . بل إنها سنة ا

























































































