ونحن نقدم هذا البحث حول تربية الصقور في ليبيا وعلى وجه التحديد في ربوع البادية.
من المناطق الغربية سهل الجفارة حيث تقطن قبائل النوائل والمحاميد والصيعان والحرارات والقديرات وهي قبائل عربية من بني سليم عدا قبيلة الصيعان التي تعد من الأشراف. هذه القبائل كلها كانت وإلى وقت قريب تربي الصقر من أجل قنص الأرانب والغزلان وطيور الحبارى التي تكثر في هذه المنطقة وفي منطقة الوسط.. بادية سرت واجدابيا على اختلاف القبائل التي تسكن هذه المناطق مثل حسون، أولاد سليمان، فرجان، قذاذفة، مغاربة، قبائل زاوية وغيرهم تربي الصقور من أجل الصيد وحتى الوقت الحاضر بين بعض القبائل وخاصة في اجدابيا وما حولها.
وفي المنطقة الشرقية، وتحديداً في البطنان مازالت تربية الصقور معروفة وتمارس رياضة الصيد بواسطتها إلى يومنا هذا.
والصقر يأتي في المكانة بعد الخيل والإبل عند أهل البادية لذا وضعته بهذا الترتيب في بحث كنت قد كتبته حول المأثورات الشعبية في كتاب بعنوان ( من تراث الشعب صدر عن دار لبنان للطباعة والنشر سنة 1976 مسيحي).
فالصقر يشبه به عظماء الرجال وفي التعابير الشعبية .. فلان صقر ، والصقر ما ينزل منازل بومه ( طيور البرانه يرفعوا ويقلوا وطيور الغربة يرقبوا ويولوا) ..( البرني حذي البومة وما سائلها شبح طته في البر جاءها هايف خبط لطها زي العقاب خبلها) ..(قرناص عالكف طايب) ..
( والطير الحر لاحصل ما يتخبل) ..(واللي ما يعرف الطير الحر يشويه)
( البرني، العقاب، القرناص ، الطير الحر) كل هذه أسماء للصقر في لغة البادية وقد وجدنا للصقر ذكراً عندهم في حديث مجالسهم وفي قصائدهم الشعرية وفي تعابيرهم وحكاياتهم ونوادرهم وهم كما ذكرت يصفون عظماء الرجال ويذهبون إلى أكثر من ذلك فيسمون به مواليدهم. ونحن واجدون في أيامنا هذه أناساً سموا باسمه وخاصة في قبائل ورفله وقماطة بل هناك قبيلة كبيرة عندما أرادت أن تذكر الشيخ سوف بأصله ومكانته بين قومه وكان هذا عندما فتر جهاد الليبيين نوعاً في الفترة التي حدثت فيها المفاوضات قالت تلك المرأة مخاطبة سوف:
ياسوف يا سفسوف جدك غومه والصقر ما ينزل منازل بومه
وقيل إن الشيخ سوف حين سمع هذا القول أمر أن يضرب الطبل وبدأ استنئاف المعارك ضد الغزاة الطليان وأمرلتلك المرأة بجائزة كبيرة.
وهذا شاعر من المنطقة الشرقية يصف فتى أجواد القوم بالصقر:
وعيل إجواد الناس علوله ليا نشى
قرناص والقرناص عالكف طائب
وكان دار العقل عالخائبة نهي
يبقى خال حاله من كبار العرايب
والشاعر الفحل عمرو الجنجان يصف فتى قومه في ملحمته المشهورة الصقر:
ولو كان نلقوا فرسان يردوا آثار الشيخ اللي يلهد عالنار
والملحمة قدمناها كاملة في الحديث عن الإبل البل ولكن لابأس أن نشير هنا إلى الأبيات التي وصفت الفرسان بالصقور موضوع حديثنا يقول عمرو الجنجان:
أو هل سبق حظين بعدد
رهيفات وسمحات أوجوه
أوهل عيل لا كان لهد نداوي كمبيله جلوه
أو أهل جمع انكانا ميعد الرأي المبروك ايجيبوه
فهو يشير إلى أن كل فتى في قومه عندما يمتطى صهوة جواده ويهجم على الأعداد كأنه صقر ( نداوي كمبيله جلوه) والنداوي اسم آخر من أسماء الصقر.
ونجد هذا القول في الشعر الشعبي..
لا حمر يسلس لذيذ مساوه
ولا صقر يأخذ مالمحاس خياره
والمحاس هو فريق طيور الحباري فالصقر عادة يغير على طيور الحبارى ولا يأخذ دائماً إلا الأحسن منه والشاعر في هذا البيت يتحسر على أيام مضت كان قومه فيها يركبون الجياد العربية الأصيلة ويخرجون في رحلات للصيد بالصقور وهي عادة متبعة عند كبار القوم في البادية.
وإذا كان الصقر يشبه به الرجال لشجاعته ولعزة نفسه فالنساء أيضاً لهن صفة من صفاته فكما تشبه عيونهن بالغزلان أو بالأزخة وبالطروقه وبالمها وبقر الوحش وغيره تشبه أيضاً عيونهن بعين الطير الحر ووجه الشبه بين عين البرني أو الصقر والمرأة هو حدة النظر أو كما يطلق عليها مجازاً حرارة العين هذه الفتاة عينها حارة، ونجد في قصائد النسيب:
( عيونها حراقه، عينها حرقتني، ريدي بعيونه حارقني ..إلخ)
ولايفوتنا أن نورد بعض النماذج من الشعر لإثبات تشبيه عيون النساء بعيون الصقر.
فهذا الشاعر الكبير الحامدي يقول:
عينك عين بو ملوج وسيره
وخدك برق يطافح غديره
عينك عين بو ملوج ضبح
وخدك برق جي سيله طفح
منينك واقفه فوق السطح
غربي الحوش قدام البحيره
وايداك ليمنا فيها القدح
وايدك ليسره تحت المريره
والصقر هنا سماه الشاعر ( بو ملوج وسيره) من كنايات الصقر توضع له سلسلة في رقبته أو سير مع حلقة تعرف بالملوج
وهذا شاعر آخر يورد الوصف صريحاً:
( حفلت ولفتي لحظ الصقور)
أما عبدالله الزناتي فنجد في شعره ذكراً كثير
المزيد